الشنقيطي
27
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة عبس قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) [ 1 - 2 ] . سبب نزول هذه السورة باتفاق المفسرين ، أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مشغولا بدعوة صناديد قريش ، فأتاه ابن أم مكتوم ، وهو رجل أعمى وقال : « أقرئني يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلّمني مما علّمك اللّه » وكرر ذلك ، فلم يتفق ذلك وما هو مشتغل به صلى اللّه عليه وسلم ، وما يرجوه مما هو أعظم ، فعبس وتولى عنه منصرفا ، لما هو مشتغل به « 1 » . قال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على قوله تعالى : أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ما نصه : عبّر تعالى عن هذا الصّحابي الجليل الذي هو عبد اللّه ابن أم مكتوم ، بلقب يكرهه الناس ، مع أنه قال : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ [ الحجرات : 11 ] . والجواب : هو ما نبه عليه بعض العلماء : من أن السر في التعبير عنه بلفظ الأعمى ، للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه ا ه منه بلفظه . وقال الفخر الرازي : إنه وإن كان أعمى لا يرى ، فإنه يسمع وبسماعه حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإقدامه على مقاطعته يكون مرتكبا معصية ، فكيف يعاتب عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فكلامه هذا يشعر بأنه إن كان معذورا لعدم الرؤية ، فليس معذورا لإمكان سماعه ، ولكن ذكره بوصفه ليوجب العطف عليه والرفق به . والظاهر واللّه تعالى أعلم : أن كلام الرازي ليس بعيدا عمّا ذكره الشيخ ، لأن
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : الترمذي في تفسير القرآن حديث 3331 ، وأخرجه عن هشام بن عروة عن أبيه : مالك في القرآن حديث 8 .